وهبة الزحيلي
128
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
الثاني - الحكم بالعدل بين الناس . والخطاب في الحكمين كما أوضحت للولاة والأمراء والحكام ، ويدخل معهم جميع الخلق . قال صلّى اللّه عليه وسلّم فيما رواه مسلم والنسائي عن عبد اللّه بن عمرو : « إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور ، عن يمين الرحمن ، وكلتا يديه يمين : الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا » و قال أيضا : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته ، والرجل راع على أهله وهو مسؤول عنهم ، والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه ، والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ، ألا فكلكم راع ، وكلكم مسؤول عن رعيته » « 1 » . فجعل النبي في هذه الأحاديث الصحيحة كلّ هؤلاء رعاة وحكّاما على مراتبهم ، وكذلك العالم الحاكم ؛ لأنه إذا أفتى ، حكم وقضى ، وفصل بين الحلال والحرام ، والفرض والندب ، والصحة والفساد ، فجميع ذلك أمانة تؤدى ، وحكم يقضى . واللّه تعالى سميع وبصير ، يسمع ويرى ، كما قال تعالى : إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [ طه 20 / 46 ] يسمع الأحكام الصادرة فيجازي بها ، ويبصر وقائع أداء الأمانات وخيانتها ، فيحاسب عليها . ولما أمر اللّه الولاة والحكام بأداء الأمانات والحكم بين الناس بالعدل ، أمر الرعية بطاعته عز وجل أولا بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، ثم بطاعة رسوله ثانيا فيما أمر به ونهى عنه ، ثم بطاعة الأمراء ثالثا ، لكن تجب طاعة الأمراء أو السلطان فيما فيه طاعة ، ولا تجب فيما كان للّه فيه معصية . روي عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه أنه قال : حق على الإمام أن يحكم بالعدل ، ويؤدي الأمانة ، فإذا فعل ذلك ، وجب على المسلمين أن يطيعوه ؛ لأن اللّه تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل ، ثم أمر بطاعته .
--> ( 1 ) رواه أحمد والشيخان وأبو داود والترمذي عن ابن عمر .